دروس موقعة البرازيل قبل استكمال المشوار

يونس اصفي

قصّ المنتخب المغربي شريط مشاركته في منافسات كأس العالم بمواجهة تاريخية جمعته بنظيره البرازيلي العملاق، تلك المواجهة التي كانت حديث العالم الكروي بأسره قبل انطلاق صافرتها الأولى، وظلت مثار جدلٍ ونقاشٍ وإعجابٍ حتى بعد نهايتها. فمجرد أن تجمع قائمة المجموعات اسم المنتخب المغربي إلى جانب البرازيل، صاحبة التاريخ الكروي الحافل، حتى أصبح العالم كله يترقب هذا اللقاء بشوق وفضول بالغين، متسائلاً عما سيجود به أسود الأطلس من مفاجآت في مواجهة السامبا الشهيرة.

ورغم أن المباراة انتهت بنتيجة التعادل التي أرضت الطرفين وحفظت ماء الوجه للجميع، فإن العناصر الوطنية المغربية حظيت بعبارات الإشادة والتنويه والإطراء من كل حدب وصوب، من مختلف أنحاء المعمورة ومن أقلام المحللين والخبراء الكرويين الكبار، وذلك نظير ما قدمته من أداء مبهر رفيع المستوى سحر البعيد قبل القريب، وأثبت للعالم أجمع أن المغرب لم يأتِ إلى هذه البطولة الكبرى ليكمل العدد أو يملأ الفراغ، بل جاء ليُقدّم كرة جميلة منظمة تليق بمكانته وطموحه وتاريخه العريق.

دخلت العناصر الوطنية المباراة بأداء منظم منذ الصافرة الأولى، فارضةً سيطرةً واضحة على مجريات اللقاء، ما عكس دقة تحضيرات الطاقم التقني الذي درس نقاط قوة الخصم ومواطن ضعفه بعمق. وعلى الصعيد الدفاعي، تم تشديد الخناق بشكل لافت على الثنائي البرازيلي كاسيميرو وبرونو غيمارايش، باعتبارهما العقل المدبر ومفاتيح بناء اللعب؛ وقد نجح هذا التكتيك في تقييد حركتهما وإرباك تمريراتهما، مما مكن المنتخب من استعادة الكرة في مناطق المنافس والضغط عليه في عقر داره بدلاً من التراجع الدفاعي.

وقد اعتمد المنتخب المغربي في مرحلة الضغط وإرباك الخصم على خطة تكتيكية مزدوجة تقوم على تبني مخطط 4-4-2 في الحالة الدفاعية، الذي يمنح التوازن الضروري بين الضغط الأمامي والتغطية الدفاعية، ويجعل الفريق كتلة صلبة ومتماسكة يصعب اختراقها أو التلاعب بها. أما حين يحين وقت بناء اللعب من الخلف واستعادة زمام المبادرة والتحكم في إيقاع المباراة، فقد تم الاعتماد على مخطط 4-2-3-1 الأكثر مرونة وإبداعاً، الذي يتيح للمهاجمين حرية الحركة ويفتح ممرات التمرير في أنصاف المساحات، ويمنح الفريق بُعداً هجومياً إضافياً يُربك دفاع الخصم ويجعله في مواجهة تهديدات متعددة ومتجددة.

في نصف الساعة الأول كانت الأمور أكثر من طيبة، حيث خلقنا فرصاً لو تُرجمت بالشكل الصحيح لأثمرت أهدافاً أخرى غير هدف الصيباري. بعد ذلك حاول المنتخب البرازيلي الخروج من صدمة الهدف، وكعادته فينيسيوس بحل فردي استغل خللاً في التغطية على الجهة اليمنى وعدل الكفة، رغم ذلك حافظنا على نمط لعبنا ولم نفقد التركيز، عكس نجوم راقصي السامبا الذين بدت علامات النرفزة والانفعال بادية من خلال بعض التصرفات وأيضاً التدخلات القوية. في الجولة الثانية نزل الإيقاع بشكل ملحوظ، وتميز الأداء بالحيطة والحذر، حيث لم يبادر الطرفان إلى الهجوم بشكل غير محسوب، وحافظا على توازن الخطوط مع بعض المحاولات المحتشمة.

الطريقة التي لعب بها المنتخب المغربي في هذه المباراة التاريخية لم تكن مجرد أداء عابر، بل تضمنت رسائل واضحة وغير مشفرة موجهة لبقية الخصوم الذين يترقبون مسار الأسود بعين فاحصة ومدققة. فلو انطلقنا من طريقة البناء من الخلف، فالكل لاحظ بجلاء أن المنتخب كان يخرج بالكرة بسلاسة منقطعة النظير ويتقدم في مناطق الملعب بشكل عمودي وسريع ومباشر نحو الثلث الأخير دون مشاكل تُذكر أو عقبات تعيق مساره. لم يكن الأمر ارتجالاً أو مصادفة، بل كان تعبيراً صادقاً عن فلسفة كروية راسخة تقوم على الثقة في النفس والجرأة في التقدم والرغبة الحقيقية في فرض الإيقاع والسيطرة على مجريات اللقاء من أولى دقائقه. فضلاً عن ذلك، كانت عملية الضغط العالي تتم في وقت وجيز للغاية وبنجاح لافت يدل على تنظيم عالٍ ووعي تكتيكي متقدم، مما مكّن الأسود من استعادة الكرة في مناطق متقدمة وخلق عدة فرص خطيرة أربكت الدفاع البرازيلي وكشفت عن هشاشة في بنيته حين يتعرض لضغط منظم ومتواصل.

أما على صعيد الانتشار في الملعب، فقد كان الانتشار الجيد والمحسوب للعناصر الوطنية من أبرز مفاتيح الأداء المتميز في هذه المباراة، إذ نجح المنتخب في تغطية مساحة الملعب بالكامل وإشغال جميع المناطق والممرات دون ترك فراغات يستغلها المنافس. وقد شدّد هذا الانتشار المتوازن الخناق على أجنحة المنتخب البرازيلي بصفة خاصة، ودفعهم للبحث عن حلول بديلة ومخارج أخرى لم تكن ناجعة في أغلب الأحيان ولا مجديةً تقريباً. ولم يقتصر التفوق المغربي على الجانب التنظيمي فحسب، بل امتد ليشمل الثنائيات الفردية والالتحامات الجسدية التي كان الأسود يخرجون منها في الغالب منتصرين ومسيطرين، ناهيك عن التفوق الواضح في الكرات العالية التي كانت ميدان هيمنة للمدافعين المغاربة الذين أبدوا صرامةً وحضوراً بدنياً لافتاً. غير أن الأمانة تقتضي الإشارة إلى بعض الأخطاء الدفاعية التي سُجّلت هنا وهناك، ولا سيما على مستوى التغطية الجماعية وفي حالات المواجهات الفردية (واحد ضد واحد)، وهي أخطاء يجب تداركها وتصحيحها في أقرب وقت حتى لا تُشكّل ثغرة يستغلها الخصوم في المباريات القادمة.

بالنسبة لتقييم اللاعبين كل على حدة انطلاقاً من حراسة المرمى، فياسين بونو كان متألقاً كعادته، وقام بما عليه، وتصدى للمحاولة الخطيرة، وغطى المساحة خلف المدافعين. بالنسبة للأظهرة؛ فنصير مزراوي أظهر تفوقاً ملحوظاً، وقطع كل السبل على رافينيا ومن أتى بعده، كما ساهم هجومياً بشكل إيجابي، ولم يجعل المتفرج يحس ولو للحظة أنه يلعب بالرجل اليمنى. أما أشرف حكيمي فمستواه هجومياً لم يرتقِ لما عهدناه، حيث ظلت انطلاقاته محتشمة، ربما بسبب الأعباء الدفاعية أمام فينيسيوس التي تحتاج إلى يقظة كبيرة.

فيما يخص وسط الدفاع فشادي رياض قام بمقابلة محترمة سواء من الناحية الدفاعية حيث تفوق في النزالات الهوائية والالتحامات وشدد الخناق على إيكور تياكو، كما ساهم بشكل إيجابي في إخراج الكرة من الخلف عكس عيسى ديوب الذي وجد صعوبة في القيام ببناء الهجمة واضطر إلى اللجوء للكرات الطويلة، كما أنه خسر سباق السرعة أمام هجوم البرازيل، لكن تفوق في الثنائيات والمراقبة اللصيقة للمهاجمين.

في ما يخص وسط الميدان فقد كان القوة الضاربة وتم احتلاله حرفياً، خصوصاً من طرف لاعبي الارتكاز العيناوي الذي كان سداً منيعاً أمام الهجمات، وغطى المساحات وزوايا التمرير بنجاح، وساعد هجومياً بشكل فعال. أما بوعدي فكان قصة أخرى، فقد أصبح حديث العالم واكتشفه الكثير من المتابعين “ممن لا يشاهدون الدوريات الخمس الكبرى بانتظام”، ويمكن اختصار ما قام به في كلمات قليلة: ذكاء، قوة شخصية، فكر استباقي، قراءة جيدة لمساحة الملعب. أما أوناحي فظهر بشكل باهت ولم يظهر له أي تأثير يُذكر، وساهم في فرملة الهجمات، وهذا يدفعنا لطرح تساؤل مشروع حول ملائمته لطريقة لعب وهبي، وهذا دون تنقيص من قيمته الفنية.

أما لاعبو الهجوم فنفذوا تعليمات المدرب في شقها الدفاعي والهجومي، حيث ساهم الجناحان إبراهيم والخنوس في عملية الضغط بشكل إيجابي، وكذلك في تسريع الهجمة واللعب العمودي دون استهلاك الكرة بشكل مبالغ فيه، وتمريرة دياز خير مثال لذلك، أما الصيباري فقد بدا أنه تأقلم بشكل كبير مع دوره الجديد المتمثل في المهاجم الوهمي وأتقنه بنسبة كبيرة، حيث فتح جبهات هجومية متنوعة وطلب الكرة في مناطق عدة وخلق مساحات لزملائه، وكان فعالاً في الهدف الذي سُجِّل.

في الأخير، أكيد تجعلك النتيجة في حيرة من أمرك؛ هل تفرح بتعادل ثمين أمام أبطال العالم خمس مرات، أو تحزن على ضياع فوزٍ كان بين الأحضان؟ لكن في نظري الأهم هو الفرح بالأداء العام والطريقة التي لعبنا بها، وأي حزن على عدم النصر فهو دليل قاطع على مزاحمة الكبار واعتلائنا رسمياً هرم الكرة العالمية.

Exit mobile version