بعد خروج لائحة أسود الأطلس الخاصة بالمونديال الأميركي، ومن خلال تأمل الأسماء التي وضع السيد وهبي وطاقمه الثقة فيهم لتمثيل الراية الوطنية في هذا العرس العالمي، برز معطى يدفع نحو دراسة ظاهرة مغربية ربما صرفة، تتجلى في كلمة مفتاحية لهذه المقالة ألا وهي “الاستمرارية”؛ مشكلٌ يصيب اللاعب المغاربي والموهوبين منهم بالخصوص، عكس باقي الأمم العريقة في ممارسة اللعبة الشعبية الأولى التي نشهد استمرار تألق نجومها لعدة دورات متتالية.
ونحن مقبلون على المشاركة الثالثة توالياً كان حرياً بنا أن ندخل المنافسة بعمود فقري للمنتخب قوامه لاعبون ذوو خبرة راكموا تجربة كبيرة معزز بعنفوان الشباب، لكن العكس هو الذي حصل، فإننا نجد أنفسنا حافظنا على خمسة لاعبين فقط منهم ثلاثة حراس، وهذا عامل لا يساعد على الاستمرارية في الإنجازات إن كنا نريد أن نكون قوة كروية عالمية تنافس القوى التقليدية.
بالنظر إلى المشاركات المغربية في كأس العالم على قلتها، نلاحظ أن بين مونديالي 94 و98 لم يستطع إلا 7 لاعبين ضمان مقعدهم، بينما استمر ثمانية لاعبين بين نسختي روسيا 2018 وقطر 2022، مع العلم أن اللائحة كانت تسمح بضم 26 لاعباً، إذن فالأولى أن بين 2022 و2026 تكون الحصيلة أكبر بفعل التألق وبلوغ الدور نصف النهائي، لكن العكس هو الذي حصل، فقد وضع السيد وهبي الثقة في عشرة لاعبين فقط رغم أننا رابع العالم، وهو معطى كان يقتضي منطقياً الحفاظ على أكثر من نصف القائمة.
لذا، نطرح تساؤلاً حول أسباب تذبذب مستوى اللاعب المغربي، إذ يترنح أداؤه صعوداً وهبوطاً خلال أربع سنوات، بل إن قلة منهم فقط نجحت في الحفاظ على استمرارية العطاء طوال موسم كامل دون تراجع. وفي هذا الصدد، يمكن استحضار بعض الأسماء التي استُثنيت من هذه القاعدة، أبرزهم مصطفى الحداوي الذي شارك في دورتي 1986 و1994 -مع الأخذ في الاعتبار غيابنا عن مونديال 1990- إلى جانب نجوم استثنائيين لو أنصفتهم اللعبة لحضروا في نسخ عديدة، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: نور الدين النيبت، وعبد المجيد الظلمي، وأحمد فرس، وبادو الزاكي…، وعليه يتعين علينا تشخيص مكامن الخلل عبر استعراض العوامل التي تحول دون مواصلة الممارس المغربي لتألقه، ومنها:
غياب الطموح والاكتفاء بمشوار كروي متوسط أو متواضع يصور للاعب بمساعدة المحيط والإعلام على أنه قدم ما يجب عليه وأدى المهمة على أكمل وجه، وهو للأسف مر مرور الكرام بهالة خادعة جعلت منه نجماً على شكل فقاعة سرعان ما تتلاشى، وهذا ما حصل مع العديد إن عدنا بالذاكرة للوراء قليلاً.
أيضاً وفرة اللاعبين خصوصاً في الآونة الأخيرة حيث لا يكاد يخلو دوري أوروبي سواء متوسط أو كبير من “حملة الجواز الأخضر”، لكن مع تقارب كبير في المستوى مما يرجح كفة البعض دون الآخر وهذا يحرم العديد من اللاعبين المتوسطين ويجعلهم عرضة لغض الطرف أثناء إعداد لوائح المحفل العالمي.
زد على ذلك، بروز العديد من النجوم في سن مبكرة وبأداء مرحلي لافت يدفع المدربين لتفضيلهم على أصحاب الخبرة، مستغلين تعطشهم للعطاء وقوتهم البدنية، وهو ما يسلط الأضواء عليهم ويمنحهم الأفضلية على من سبقوهم.
هذا دون أن نغفل ظاهرة الاعتزال المبكر، حيث العديد من اللاعبين البارزين لا يواصلون مسيرتهم الكروية، كأنهم يملون حياة الرياضي المنضبطة لقواعد صارمة، من تمارين ونظام غذائي وأوقات نوم، نحو حياة التحرر من القيود، مما يضيع علينا فرص مشاهدة لاعبين بارزين لأوقات طويلة.
كما يجب أن نستحضر معطى عدم الاستمرارية لدى الأطقم التقنية، فتغيير المدرب مقترنٌ حتماً بتغيير الأفكار وخطط اللعب، وهذا يدفع نحو الاستعانة بعناصر مغايرة لسابقها، مما يساهم في عدم استمرارية نفس التشكيلة لمدة طويلة.
كذلك عدم تعاقد اللاعبين مع وكلاء مميزين يستطيعون تسويقهم بأفضل شكل، وتعويضهم بأفراد من أسرهم أو مقربين منهم، مما يضيع عليهم الكثير من فرص التألق بأندية محترمة تساعدهم على تطوير مستواهم والارتقاء بهم نحو مصاف نجوم اللعبة.
هذا بالإضافة إلى مشكل الهجرة نحو الدوريات الخليجية وبالأخص في سن يكون فيها اللاعب قادر على المزيد من العطاء لكنه مقابل ذلك لا يقوى على الصمود أمام الإغراءات المالية الخيالية، وبالتالي التيه في أندية على شكل مقابر جماعية للنجوم.
كما يجب ألا نغفل عنصر الإصابات التي حرمت العديد من الاستمرار في التألق، وغيبت الكثير عن التواجد في مواعيد كبرى، ودفعت بالبعض نحو الاعتزال المبكر، في وقت كانت الحالة البدنية والسن يسمحان بمواصلة المشوار لمواسم أكثر.
هذا جردٌ بسيطٌ لبعض العوامل من وجهة نظر كاتب هذه السطور، وطبعاً هناك أسبابٌ أخرى تصبُّ في هذا الباب، لكن الأكيد أننا بدأنا في تلمس السبل الكفيلة بالخروج بنا من هذه الدوامة، وما التطور الذي تشهده كرتنا إلا دليلٌ على ذلك. في الأخير، وجب الإشادة بكلٍّ من بونو والمحمدي والتكناوتي وأمرابط والعميد أشرف حكيمي؛ فالقاسم المشترك بينهم هو النجاة من هذه اللعنة والبصم على المشاركة الثالثة توالياً في كأس العالم.
