
مع اقتراب موعد لقاء المنتخب الوطني بنظيره الفرنسي في ربع نهائي كأس العالم 2026، تسود حالة من الترقب المشوب بالحذر داخل الأوساط الرياضية المغربية، تدور بالأساس حول سؤالين مركزيين: ما هي الطريقة الناجعة لخوض هذا اللقاء المصيري؟ وما هي السبل الكفيلة بإيقاف المد الهجومي الجارف الذي يتمتع به منتخب “الديوك”؟ لكن، وسط هذا الترقب التكتيكي والفني، يبقى هناك عامل آخر لا يقل أهمية، بل ربما يتفوق حضوره النفسي على باقي الهواجس: ملف التحكيم.
لا يمكن اليوم الحديث عن المواجهة دون العودة إلى محطة نصف نهائي مونديال قطر 2022، تلك الليلة التي لا تزال عالقة في الذاكرة الجماعية للجماهير المغربية، ليس بسبب الخسارة في حد ذاتها، بل بسبب الطريقة التي أديرت بها بعض اللقطات الحاسمة. فصورة الحكم المكسيكي سيزار راموس، وهو يتغاضى عن ركلتي جزاء واضحتين لصالح “أسود الأطلس”، لم تُمحَ بعد من أذهان المتتبعين، وشكّلت آنذاك مادة لجدل واسع تجاوز حدود الملاعب، ليصل إلى حد إصدار الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بياناً رسمياً تحتج فيه على تلك القرارات التحكيمية، مطالبة الاتحاد الدولي لكرة القدم بتوضيحات بخصوصها.
أربع سنوات مرت على تلك الواقعة، لكن الجرح، كما يبدو، لم يندمل بالكامل، خصوصاً أن القدر جمع المنتخبين مجدداً في مباراة إقصائية، وفي ظروف تحمل الكثير من التشابه مع سيناريو قطر.
إعصار الإنذارات في مباراة كندا يعيد المخاوف
لم تكن هذه الهواجس لتحضر بهذه الحدة لولا ما جرى في مباراة الدور ثمن النهائي أمام كندا. فقد شهدت تلك المواجهة ما يشبه “إعصار الإنذارات” الذي ضرب صفوف لاعبي النخبة الوطنية، حيث عمد الحكم الإنجليزي مايكل أوليفر إلى إيقاف المقابلة أكثر من مرة، موزعاً إنذارات وُصفت من طرف المتابعين بـ”المجانية”، وهو أسلوب لم نعتد رؤيته من هذا الحكم بالذات خلال قيادته لمباريات الدوري الإنجليزي الممتاز، المعروف بمرونته النسبية في التعامل مع الاحتكاكات البدنية.
وما يغذي الشكوك أكثر، بحسب كثير من المتتبعين، هو انتماء كندا للتاج البريطاني، وهو معطى دفع البعض للتساؤل: كيف تسند لجنة التحكيم التابعة للفيفا مهمة إدارة هذه المباراة تحديداً لحكم إنجليزي؟ ثم كيف نفسر هذا الاندفاع غير المعتاد في توزيع الإنذارات، بالمقارنة مع الأدوار السابقة من البطولة؟
غياب الانسجام في تطبيق القانون
يضاف إلى ذلك ملاحظة أخرى رصدها متتبعو دور الستة عشر عن كثب، وهي أن طريقة إدارة المباريات لم تعد موحدة بين مختلف أطقم التحكيم. فبينما كان الأسلوب السابق يتجه نحو ترك هامش أكبر للاحتكاكات البدنية القوية وعدم مقاطعة سير اللعب إلا في الحالات الضرورية، بات كل حكم يعتمد اليوم منهجية مختلفة تماماً عن زميله، وهو ما يخلق حالة من عدم اليقين لدى اللاعبين والجماهير على حد سواء، ويصعّب على المنتخبات التأقلم مع معايير موحدة قبل دخول المباريات الحاسمة.
قضية بالوغون.. علامة استفهام إضافية
ولا يمكن أيضاً إغفال ما أثارته قضية اللاعب الأمريكي فولارين بالوغون من جدل موازٍ، حين وصل الأمر إلى تدخل رئاسي لسحب البطاقة الحمراء التي كان يستحقها اللاعب، الأمر الذي سمح له لاحقاً بخوض مباراة بلجيكا بشكل طبيعي. هذه الواقعة، وإن بدت في ظاهرها معزولة، إلا أنها غذّت موجة من الريبة تجاه بعض قرارات الفيفا، وأعادت إلى الواجهة تساؤلات قديمة-متجددة حول احتمال وجود ميل غير معلن لصالح المنتخبات الأكثر شهرة، أو الدول المنظّمة، بهدف دفعها قدر الإمكان نحو الأدوار المتقدمة من البطولة، سعياً وراء أهداف تجارية وتسويقية، وزيادة العائدات المادية المرتبطة بالمشاهدة والرعاية.
وهبي: التركيز على الملعب لا على الحكم
في مقابل كل هذه الأجواء المشحونة بالقلق، يبدو موقف الجهاز الفني والمنتخب أكثر برودة وواقعية. فالمدرب الوطني محمد وهبي يصر على أن اللاعبين لا يجب أن ينجروا إلى الانشغال بملفات التحكيم أو الحديث عن “الانتقام”، بل إن التركيز الكامل يجب أن ينصب على الجوانب التكتيكية والذهنية للمباراة، باعتبار أن المقابلة هي بمثابة أولوية الأولويات، وأن أي انجرار وراء سجالات جانبية قد يُفقد المنتخب تركيزه في لحظة تتطلب أقصى درجات التركيز والجاهزية.
يبقى السؤال معلقاً: هل سيتمكن “أسود الأطلس” من تجاوز هذه الهواجس والتركيز فقط على ما يمكنهم التحكم فيه داخل المستطيل الأخضر؟ أم أن ملف التحكيم سيظل الحاضر الخفي الذي يرافق كل حركة وكل قرار في هذه المواجهة المرتقبة؟ الإجابة، كما جرت العادة، لن تُكتب إلا في الدقيقة التسعين



