من مكسيكو.. الحكاية لم تنتهِ بعد، المغرب يُعيد هولندا إلى ديارها مبكراً

يونس اصفي

في سيناريو مثير يُشبه أفلام ألفريد هيتشكوك، عبر المنتخب الوطني المغربي بنجاح وجدارة واستحقاق إلى دور ثمن النهاية، بعد تجاوزه عقبة المنتخب الهولندي العنيد، ليضرب بذلك موعداً يوم السبت القادم مع المنتخب الكندي، أحد منظمي المونديال، في مواجهة يُنتظر أن تكون بوابتنا نحو دور ربع النهاية.

بعزيمة وإصرار منقطعَي النظير، لعبت العناصر الوطنية إحدى أفضل مبارياتها، وقدّمت عرضاً آخر ضمن سلسلة التألق المغربي في المونديال. وفي إبهار بصري حقيقي، قدّم “الكوماندو” المغربي بقيادة محمد وهبي كرة قدم جميلة تجمع بين الفن والمهارة والشراسة والقتالية في قالب واحد، أبان فعلاً عن المعدن الذي ينتمي إليه الأولاد، في تماهٍ وتناغم بين الطاقم التقني واللاعبين، دون تسرّع أو خروج عن الرسم التكتيكي من أول دقيقة إلى نهاية اللقاء.

أن تفرض إيقاع لعبك وتسيطر على مجريات اللقاء أمام خصمٍ يشهد له الجميع بالقوة والجسارة، وتُجبره على الركون للخلف في أكثر من ثلثَي زمن المباراة بحيث لا يقوى على إخراج الكرة من مناطقه، وتجعله يلعب عكس هويته التكتيكية مضطراً لذلك، فهذا لا يقوم به إلا كبار القوم كروياً. ونحن منهم اليوم، فعلاً لا قولاً.

أن تقوم بسيل من المحاولات على خصم يُعدّ من القوى التقليدية لأوروبا، وتُضيّع خمسة أهداف محققة أمام مدافعين يلعبون لأعتى الأندية، فهذا يستدعي فكر مدرب واشتغالاً على أدق التفاصيل بعناية، وتهيئة الظروف السانحة لترجمتها على أرض الواقع. في المقابل، جعلتهم بعيدين عن مرماك إلى حدّ اضطرارهم لاستعمال الكرات الهوائية على طريقة المنتخبات الضعيفة التي لا حول لها ولا قوة.

عملياً، وجّهنا مراحل المباراة وتحكّمنا في زمنها؛ حتى عندما تركنا الكرة في الثلث الأول من اللقاء، كان ذلك بمحض إرادتنا، إذ كنا نبحث عن المباغتة عبر المرتدات، وأيضاً بسبب تغيير المنتخب الهولندي لخطته في محاولة لمفاجأتنا، حيث اعتمد على ثلاثة مدافعين محوريين بإضافة أكي، وهو ما يكشف مدى تخوف كومان وحذره حتى قبل بداية اللقاء.

لكن سرعان ما عدنا إلى أسلوب لعبنا المعتاد القائم على السيطرة التامة على الكرة، وفتح جبهات هجومية على الأطراف وفي أنصاف المساحات، حيث اشتغلت الجهة اليمنى كثيراً على هذا الأمر عبر حكيمي وأوناحي ودياز، وانضم إليهم في أحيان كثيرة بلال الخنوس بهدف استدراج الخصم ثم تحويل الكرة إلى الجهة المعاكسة. كذلك أرسلنا كرات خلف ظهر دفاع الخصم مستغلين بطئهم، وهو ما كان كفيلاً بمنحنا التقدم، إضافة إلى استعمال سلاح الركنيات الذي شكّلنا عبره خطورة ملحوظة.

في المقابل، حاول المنتخب الهولندي إيصال الكرة نحو الهجوم، لكنه اصطدم بقوة المنظومة الدفاعية، واضطر إلى لعب كرات طويلة نحو المهاجم بريان بروبي، القوي في الالتحامات والفوز بالنزالات الثنائية، والذي يجيد دور المهاجم المحطة الذي يحتفظ بالكرة ويمنح زملاءه فرصة للتقدم وتنظيم الصفوف. لكن لا شيء من هذا حصل؛ فقد ضُربت عليه حراسة لصيقة، وتناوب كل من ديوب وشادي رياض على تحجيم أدواره، وتفوقا عليه في جلّ المواقف.

مع مرور زمن المباراة، استمر تراجع منتخب الطواحين أمام المدّ الهجومي الكاسح لأسود الأطلس والاستحواذ الكلي على مجريات اللقاء. بفعل هذا المعطى، قرر الناخب الهولندي ضخّ دماء جديدة بالزجّ بعناصر أكثر طراوة. وبعد التغييرات بدقيقة واحدة، وضد مجريات اللعب، استطاع الخصم تسجيل هدف السبق بشكل غادر بعد هجمة مرتدة.

إثر ذلك، أقدم وهبي على تغييرات هجومية، واستمررنا على النهج ذاته دون ارتباك أو تسرّع، حتى تسلّل المنقذ عيسى ديوب نحو منطقة العمليات، وانبرى لتمريرة على طبق من ذهب لشمس الدين الطالبي، ليسجل هدف التعادل، ويكتب بذلك شهادة البقاء والاستمرارية لمشروع ونهضة كروية مغربية على مستوى المنتخبات.

في الشوطين الإضافيين، وبفعل التغييرات في أواخر المباراة، تم تعديل خطة اللعب إلى 4-4-2 مع خصائص مختلفة للجناحين، حيث عمدنا إلى تعريض الملعب لإيجاد مساحات في مواجهة التكتل الدفاعي للفريق البرتقالي. واستطعنا تشكيل خطورة كبيرة، كان أبرزها انفراد سفيان رحيمي، لكن الحارس الهولندي كانت له اليد العليا واستطاع إنقاذ مرماه من هدف محقق. في المقابل، كان المنتخب الهولندي يبدو راغباً في جرّ اللقاء إلى ضربات الترجيح، وهو ما حصل بالفعل.

في ضربات الحظ الترجيحية، استطعنا انتزاع بطاقة التأهل ولو بصعوبة، في سيناريو شهد تقلبات وأبرز الحاجز النفسي الذي أضحى يسيطر على لاعبي المنتخب أثناء تسديد ضربات الجزاء. لكن، كالعادة، أفلح ياسين بونو بفضل براعته في الذود عن مرماه ببسالة والتصدي لضربة جزاء فعلية، وبثّ الريبة في نفوس المسدِّدين، مما ساهم في تشتيت تركيزهم وتضييعهم لركلة تلو الأخرى، حتى أتت الضربة الأخيرة وترجمها الصيباري بنجاح.

في مثل هذه المباريات، يصعب إيجاد نجم واحد، فالكل كان نجم اللقاء، وقدّم كل لاعب ما عليه وأدّى دوره رغم صعوبة مجريات النزال، الأساسيون والاحتياطيون على حدٍّ سواء. الكل قاتل وقام بالواجب وأكثر، في انتظار الاستمرار على النهج ذاته في موقعة كندا. لذلك، وجب احترام المنافس وعدم استصغاره، واللعب بالجدية اللازمة، خصوصاً ونحن نعرف عقلية لاعبينا في المواجهات أمام المنتخبات الضعيفة أو المتوسطة. فرجاءً، أبقوا على العهد لمواصلة هذه الرحلة المونديالية الممتعة.

أخيراً، رسالة إلى جياني إنفانتينو “وفيفاه”: أيُعقل أن تبقى نفس طريقة اختيار مباريات دور الـ32 معتمدة في الدورات القادمة، وتُفرز لنا مواجهات كهذه بين منتخبين تأهلا برصيد 7 نقاط لكلٍّ منهما، في حين هناك مواجهات أخرى ضعيفة فنياً بين منتخبات متواضعة؟ على الفيفا مراجعة طريقة تأهل المنتخبات نحو الدور الثاني، وفي نظري، الطريقة المعتمدة في كأس العالم للناشئين أكثر واقعية، بدلاً من الطريقة الحالية التي أسفرت عن مواجهة بين سادس وسابع العالم.

Exit mobile version