رياضة

من اسكتلندا إلى هايتي.. رحلة الأسود نحو تصدُّر المجموعة

يونس اصفي

قطع المنتخب الوطني المغربي شوطاً كبيراً ومهماً نحو التأهل للدور القادم من منافسات كأس العالم، وذلك من خلال انتصاره المستحق على نظيره الاسكتلندي بهدف دون رد في مباراة كشفت عن نضج كروي واضح وأداء تكتيكي منظم يبشر بالخير. ولم يبقَ أمام الأسود سوى مواجهة شبه شكلية أمام منتخب هايتي المتواضع لإتمام مسيرة التأهل وتصدر المجموعة بجدارة واستحقاق..أسود الأطلس في الموعد

كان أسود الأطلس في الموعد خلال اللقاء الماضي، حيث ظلوا أوفياء لنهجهم التكتيكي الذي رسمه المدرب محمد وهبي، وبسطوا سيطرتهم الواضحة على جُلّ فترات اللقاء مستغلّين الهدف المبكر الذي ساهم بشكل كبير في بلورة النهج الخططي للمدرب القائم على الاستحواذ الطويل وحرمان الخصم من الكرة ومنعه من تشكيل أي خطورة حقيقية على مرمانا. فالهدف المبكر كان بمثابة المفتاح الذهبي الذي فتح الأبواب أمام الأسود لتطبيق خطتهم بحرية وثقة تامتين، إذ أصبح الخصم مضطراً للخروج والبحث عن التعادل “ولو بعد حين”، وهو ما خدم أسلوب لعبنا القائم على الضغط والارتداد السريع..

اختبار صعب أمام خصم مختلف بعد الظهور المشرّف في أول اختبار أمام البرازيل، كانت الأضواء مسلطة بشدة على هذا اللقاء لاكتشاف طريقة تعامل المنتخب مع ندٍّ قويٍّ جداً يلعب كرة مختلفة تماماً، قوامها اللعب المباشر واستغلال الكرات الهوائية والبحث الدائم عن الالتحامات البدنية التي تُعدّ سمة المنتخب الإسكتلندي وأسلوبه المفضل في فرض الإيقاع. وهنا تجلّت عبقرية المدرب وهبي في قراءة المباراة وإعداد الخطة المناسبة لإبطال مفعول هذا الأسلوب والتغلب عليه.

في هذا اللقاء وضع الناخب الوطني ثقته في نفس التشكيلة، عكس مدرب إسكتلندا الذي أقدم على ثلاثة تغييرات في تشكيلته وغيّر أسلوب لعبه بالاعتماد على ثلاثة مدافعين محوريين بدلاً من اثنين، كما قام بتعزيز صلابة خط الوسط على حساب الهجوم. وفي ذلك إشارة بالغة الدلالة إلى الاحترام الكبير والتخوف الواضح من القوة الهجومية للمنتخب المغربي، وهو شهادة في حد ذاتها تثبت أن الأسود أصبحوا يُحسب لهم ألف حساب.

الشوط الأول.. هيمنة مطلقة

في الشوط الأول، وخصوصاً في نصفه الأول، اكتسح منتخبنا الوطني خصمه ولم يتركه يتنفس أو يُبرز نفسه، وذلك عن طريق فرض ضغط عالٍ ومنظم وافتكاك الكرة بسرعة فائقة حيث تم إغلاق كل المنافذ وسد كل الثغرات. وتم الاستحواذ التام على وسط الميدان عن طريق سلاسة التمرير والتنقل الذكي ومهاجمة المساحات الفارغة، مستغلّين العمل الكبير والمميز الذي يقوم به إسماعيل الصيباري في الخط الأمامي، هذا الأخير الذي يُعتبر دوره داخل الميدان عصب خطة لعبنا الأساسية، وعلى أدواره ومهامه داخل رقعة اللعب يتم بناء منظومتنا الهجومية بأكملها.

الطريقة التي لعبنا بها مكّنتنا من الوصول السهل والمريح إلى الثلث الأخير من الملعب وخلق فرص عديدة ومتكررة، غير أن هذه الفرص أُهدرت إما بسوء التعامل في اللحظة الحاسمة تارةً، أو بالأنانية غير المبررة في تارةٍ أخرى، وهو ما يُشكّل نقطة ضعف يجب التركيز على معالجتها في أقرب وقت ممكن.

 

الشوط الثاني.. تحكم وإدارة

 في الجولة الثانية كانت البداية مشجعة، واصلنا العمل الذي بدأناه بتحكم واضح في إيقاع اللعب، حيث كنا نرفع النسق ونخفضه وقتما شئنا مع استمرار احتكارنا للكرة وعدم مبادرة الخصم نحو الأمام. لكن مع مرور الدقائق لوحظ نزول واضح في المنسوب اللياقي لبعض اللاعبين، وتأخرنا في القيام بالتغييرات اللازمة، مما جعل المنتخب الاسكتلندي يبادر نحو الهجوم ويُقدم على تغييرات هجومية باحثاً عن هدف التعادل. لكنه اصطدم بمنظومة دفاعية صلبة ومتماسكة انطلاقاً من الأدوار الدفاعية للمهاجمين، مروراً بخط الوسط الذي شكّل حاجزاً منيعاً وأقبر البناءات الاسكتلندية في مهدها، من خلال قطع زوايا التمرير وافتكاك الكرة قبل وصولها إلى خط الدفاع. وبذلك انتهت المباراة دون أي تسديد مؤطّر على مرمانا، وهو مؤشر دفاعي بامتياز يدل على انضباط وتنظيم رفيع المستوى..

تقييم خطوط النخبة الوطنية

على صعيد حراسة المرمى، أدّى بونو مهامه باحترافية عالية رغم قلة العمل المطلوب منه، فالمنظومة الدفاعية المتماسكة التي نُصبت أمامه أفرغت خطر الخصم من محتواه وجعلت الحارس الدولي في منأى عن أي اختبار حقيقي طوال فترات اللقاء. وهذا في حد ذاته مؤشر دفاعي إيجابي يدل على انسجام الخط الخلفي وصلابته.

فيما يتعلق بمحور الدفاع، فقد لوحظ زيادة الانسجام بين شادي رياض الذي قدم مقابلة في المستوى مع عيسى ديوب الذي تحسن مستواه في إخراج الكرة، ولم يعد يمرر لحارس المرمى، دون إغفال التفوق في الكرات العالية.

فيما يخص الظهيرين فكل من مزراوي وحكيمي طبّقا التعليمات بدقة، حيث كانت مساهماتهما الهجومية محدودة انسجاماً مع خطة اللعب ولم يُقبلا على المغامرة كثيراً، وإن كانت التوقعات تبقى كبيرة جداً من عميد المنتخب الذي يعلم الجميع ما يقدر على تقديمه.

خط الوسط كالعادة شهد تألقاً لافتاً وكان نقطة قوتنا الكبرى، حيث برز اسم العيناوي بفعل قتاليته وتفوقه البدني الواضح على منتخب رأس ماله القوة الجسدية. هذا بالإضافة إلى الدور المحوري لبوعدي في الاسترجاع والخروج بالكرة وتقديم الحلول لزملائه. ولا يمكن أن نُغفل دور أوناحي في صناعة اللعب وتسريع الهجمة، وهو ما غاب عنه في اللقاء الأول لكنه تداركه وعالج بعض العيوب في اللقاء الثاني في انتظار نسخة أفضل من اللاعب “رقم 8”.

أما على مستوى الأجنحة فقد كان التألق والنجاح حليفهم سواء من الناحية الدفاعية قبل الأدوار الهجومية، حيث تم تنويع الأساليب بين الاختراق العمودي واللعب في أنصاف المساحات أو تبادل الكرة مع لاعبي الوسط والظهيرين.

هجومياً فإسماعيل الصيباري مباراةً بعد أخرى يُبرز خصائص هجومية ذكية وذكاءً واضحاً في التعامل مع مساحة الملعب وانسجاماً كبيراً مع مهمة المهاجم الوهمي، هذا بالإضافة إلى الفعالية التهديفية الكبيرة.

تحذير قبل مواجهة هايتي

لا يجب الاستهانة بمنتخب هايتي أو الاستخفاف به، إذ يجب خوض المقابلة بالجدية اللازمة والانضباط التام طيلة فترات المباراة. فالهايتيون يتميزون بحماسة كبيرة واندفاع قوي نحو الأمام، خاصةً أنهم لا يخسرون شيئاً في آخر ظهور لهم، ويلعبون بإيقاع عالٍ وسخاء بدني لافت. يعتمدون على دفاع المنطقة بكتلة منخفضة والارتداد السريع، لكنهم يرتكبون أخطاءً بدائية يجب استغلالها وتسجيل أهداف عديدة تُعزز الثقة قبل مواجهة الخصم القادم.

نقاط يجب الاشتغال عليها:

أولاً، الفرص الضائعة برعونة يجب تفاديها خاصةً في المباريات الحاسمة، إذ يجب قتل المباراة بهدف ثانٍ يمنح الفريق راحة أكبر.

ثانياً، التغييرات التي تدخل لا ترقى في الغالب إلى مستوى الأساسيين، وهذا معطى يساهم في هبوط إيقاع اللقاء ولا يقدم الإضافة المرجوة، لذا وجب الاجتهاد أكثر في هذا الجانب قبل حلول مباريات خروج المغلوب.

ثالثاً، يجب التعامل مع بعض المشاكل الدفاعية وسوء التغطية خلف الظهر، وتقاعس الأجنحة في القيام بمهامهم الدفاعية، وهي نقاط ضعف إن لم تُعالَج قد تُكلّف المنتخب غالياً في المراحل المتقدمة من البطولة.

في الختام، يبدو جلياً أن قطار الأسود يسير بخطى ثابتة وواثقة نحو الأهداف الكبرى، وأن ما قدّمه المنتخب الوطني في مواجهتي البرازيل واسكتلندا ليس مجرد نتائج عابرة، بل هو تعبير صادق عن مشروع كروي متكامل يُبنى بعناية ودراسة. وما على الأسود الآن إلا إتمام مهمتهم أمام هايتي بالجدية ذاتها والانضباط اللازم، ثم التفرغ التام للمراحل الأصعب والأكثر إثارة. فالحكاية لم تبدأ بعد، والأفضل قادم لا محالة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى