ختم “أسود الأطلس” مشوارهم في منافسات كأس العالم بعد الخروج من دور الثمانية “الكبار” أمام المنتخب الفرنسي، المرشح الأول للظفر باللقب العالمي لهذه النسخة. وقد برزت خلال المواجهة فوارق شاسعة بين المنتخبين على مختلف المستويات والأصعدة، سواء من حيث الجاهزية البدنية، أو النضج التكتيكي، أو حتى العمق في الاختيارات البشرية.
استطاع المنتخب الفرنسي أن يتجاوز العناصر الوطنية بمجهود لم يكن كبيراً، بل يمكن القول إن طريقة لعب المنتخب المغربي ساهمت هي نفسها في تسهيل المهمة على الخصم داخل الملعب، بصرف النظر عن القوة الهجومية والجودة الفردية والجماعية التي يتمتع بها لاعبو “الديوك”، والتي لا يختلف عليها اثنان.
السؤال المطروح بإلحاح اليوم هو: لو اعتمدنا مقاربة تكتيكية مختلفة، هل كنا سنحقق نتيجة أفضل، أم كنا سنتعرض لاكتساح أكبر؟ الجواب، بمنطق الواقعية الكروية، أننا كنا مجبرين على اللعب بخطة دفاعية معتمدة على كتلة منخفضة، نظراً لجبروت النخبة الفرنسية الهجومي. لكن حين تعتمد خطة دفاعية بحتة، فإن سلاحك الوحيد للهجوم يصبح الهجمات المرتدة السريعة، وهو ما لم يتحقق للأسف، بسبب غياب الظروف الملائمة التي تسمح بالتقدم نحو الأمام بسرعة وبأقل عدد ممكن من اللمسات.
فقد أفرط اللاعبون في التمريرات القصيرة فيما بينهم، وهو أسلوب لا يتناسب مع منطق الهجمات المرتدة، يضاف إلى ذلك أن أغلب لاعبي الخط الأمامي لا يجيدون هذا النوع من الأدوار السريعة، باستثناء شمس الدين الطالبي، وكما يقول المثل “اليد الواحدة لا تصفق”. ولا يجب أيضاً أن نغفل جودة التنظيم الدفاعي الوقائي الفرنسي، الذي كان محكماً ومحترفاً طيلة شوطي المباراة.
في الشوط الأول، حاول الناخب الوطني مجاراة المنتخب الفرنسي وتهدئة إيقاع المباراة، متجنباً المجازفة بالضغط العالي، وأظهر احتراماً مبالغاً فيه للخصم، خصوصاً من خلال عدم إشراك أي مهاجم صريح، رغم أننا كنا في أمسِّ الحاجة إليه للضغط على خط الدفاع الفرنسي. لكن بعين محايدة بعيداً عن العاطفة، لا يمكن إلقاء اللوم الكامل على المدرب في هذا الخيار، خصوصاً أن كل هفوة أو ضياع للكرة في مرحلة البناء كان يُقابَل بعقاب فوري من الجانب الفرنسي، سواء عبر ضربة الجزاء التي تصدى لها ببراعة الحارس الأسطوري ياسين بونو، أو عبر تسديدات مؤطرة أخرى تصدى لها أيضاً بنفس الكفاءة.
استمر نفس السيناريو في الشوط الثاني، بل زاد المنتخب الفرنسي من حدة وشراسة أدائه، وخنق كل منافذ خروج الكرة لدى المنتخب المغربي، وفاز بمعظم الالتحامات البدنية في مناطق الوسط. وبقي وفياً لنهجه القائم على تصيّد أي هفوة، مستفيداً من جودة خطه الهجومي المتميز. وبالفعل، نجح في ذلك في مناسبتين حاسمتين: هدف أول جاء من كرة شبه ميتة على حدود منطقة الجزاء، وهدف ثانٍ نتيجة هجمة مرتدة سريعة استغلت المساحات الخلفية، ليحسم بذلك اللقاء مبكراً، خصوصاً وهو يدرك تماماً أننا لن نقوى على مجاراته حتى مع محاولات التصحيح.
باستثناء الحارس ياسين بونو، الذي قدّم مستوى استثنائياً حافظ به على الفارق من الاتساع أكثر، فإن أغلبية اللاعبين تراوح مستواهم بين المتوسط والضعيف في هذه المباراة، وهو ما يفتح باب التساؤل حول عدد من الأسماء التي كان يُعوَّل عليها بشكل خاص في مناسبة بهذا الحجم.
فأشرف حكيمي بدا شارداً طيلة المباراة، ولم يقدم أي إضافة تُذكر، بل ظهر مهزوزاً نفسياً وهو يواجه زملاءه وأصدقاءه من لاعبي منتخب الديوك، كذلك إبراهيم دياز لم يظهر إلا كشبح خافت في هذا اللقاء، وكان أداؤه سلبياً بشكل لافت، دون أي محاولات جادة للعب نحو الأمام، أيضاً بلال الخنوس الذي تم توظيفه كمهاجم وهمي لم يقدم أي إضافة تُذكر، وبدا تائهاً وسط كتلة الدفاع الفرنسي المحكمة، أما شمس الدين الطالبي فلم يستطع فرض أسلوبه الفردي على مدافع بخبرة جول كوندي، ولم يتمكن من التفوق عليه في أي مرحلة من مراحل اللقاء.
للأسف، كان بالإمكان الخروج بطريقة أفضل من هذه، لو لم تتراجع مستويات كل أعمدة الفريق دفعة واحدة في نفس التوقيت، ولو لم نتعرض لسلسلة من الإصابات المؤثرة التي طالت عناصر أساسية كانت ستشكل فارقاً حقيقياً، لكنا بكل تأكيد أكثر شراسة وحضوراً وندية على أرض الملعب. لكن لسوء الحظ، ها نحن نواجه فرنسا للمرة الثانية على التوالي في مباراة إقصائية حاسمة، وتحديداً في المقابلة السادسة، وذلك على غرار ما حدث بالضبط في نسخة قطر 2022، حين كانت النتيجة أيضاً في غير صالحنا.
وهذا التكرار في مواجهة نفس الخصم القوي، في نفس المرحلة الحساسة من البطولة، له كلفته النفسية والبدنية معاً؛ فقد فقدنا في كلتا المواجهتين مجموعة من الركائز الأساسية التي كان يُعوّل عليها كثيراً، سواء بسبب الإصابات أو التراكم البدني، واستُنزفنا بدنياً بشكل واضح مع تقدم المباريات، خصوصاً أننا كمنتخب لا نملك بعد الباع الطويل ولا الخبرة الكافية في تدبير منافسات بهذا الحجم والضغط النفسي والإعلامي، مقارنة بمنتخبات أخرى اعتادت على هذا النوع من المواعيد الكبرى منذ عقود.
أيضاً من العوامل الأخرى التي كان لها أثر واضح على المستوى البدني للاعبين، كثرة التنقلات التي فرضتها جغرافية البطولة، حيث خاضت الكتيبة المغربية رحلات مكوكية متعددة بين الولايات الأمريكية، دون أن ننسى رحلة المكسيك المرهقة، ومباراة هولندا التي امتدت لأوقات إضافية استنزفت طاقة اللاعبين بشكل كبير قبل مواجهة حاسمة كهذه.
يضاف إلى كل ذلك الحاجز النفسي الذي يصيب تركيبتنا البشرية كلما اقتربنا من الأدوار النهائية للبطولات الكبرى، وعقدة مواجهة الخصوم الأقوياء تاريخياً. فلو واجهنا فرنسا في دور المجموعات، لكان الحديث مختلفاً تماماً، لكن في مباراة إقصائية تحدد مصير المشوار بأكمله، يختلف الأمر جذرياً من الناحية النفسية والذهنية.
معطى آخر يستحق العمل عليه مستقبلاً هو ضعف عمق التركيبة البشرية للمنتخب، والتباين الواضح بين مستوى اللاعبين الأساسيين ونظرائهم الاحتياطيين. هذه نقطة كنا سنتغاضى عنها لو كنا نعاني فعلاً من نقص في عدد اللاعبين المتاحين، لكن الواقع هو عكس ذلك تماماً، فعدد المحترفين المغاربة الممارسين في الدوريات الخمسة الكبرى في أوروبا محترم جداً وفي تصاعد مستمر. غير أن الكلمة الأخيرة في تحديد التشكيلة الأساسية والاختيارات تبقى بيد المدرب، وهو ما يفتح نقاشاً مشروعاً حول معايير هذه الاختيارات مستقبلاً.
يبقى أمامنا الآن الوقت الكافي لإيجاد الوسائل والآليات المناسبة للاستثمار في هذا الجيل الذهبي من اللاعبين، وابتكار السبل الكفيلة بجعلنا نطمح إلى ما هو أبعد، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المكانة المرموقة التي بناها المنتخب المغربي بين كبار الأمم الكروية خلال السنوات الأخيرة. فالوصول إلى القمة، مهما بدا صعباً، يظل أسهل نسبياً من مهمة المحافظة عليها والاستمرار في التألق موسماً بعد موسم، وبطولة بعد أخرى.
