رياضة

بعد إخضاع كندا العنيدة بالثلاثة، الأسود ضمن الثمانية الكبار ومنتخب الديكة في الانتظار

يونس اصفي

حجز المنتخب الوطني المغربي مقعده رسمياً، وبجدارة كاملة، ليكون أول المتأهلين إلى محطة الثمانية الكبار في هذا المونديال، بعدما تمكّن من دك حصون المنتخب الكندي العنيد بثلاثية نظيفة دون أي رد، في مباراة أظهر فيها “أسود الأطلس” مستوى رفيعاً من الجدية والانضباط التكتيكي. وبهذا الفوز الكبير، يواصل المنتخب الوطني تألقه وعروضه اللافتة للانتباه التي أثارت إعجاب المتابعين والمحللين على حد سواء منذ انطلاق مشواره في هذا المونديال المقام على الأراضي الأمريكية. ويترقب عشاق الكرة المغربية الآن موعداً ملتهباً ومثيراً في ربع النهائي، حيث ينتظر “أسود الأطلس” مواجهة قوية وحاسمة أمام المنتخب الفرنسي العتيد، صاحب التاريخ العريق والمستوى الرفيع، في لقاء يعد بالكثير من الإثارة والندية.

كما كان متوقعاً ومنتظراً من الجميع، واجهنا منتخب كندا وكنا نُعتبر المرشحين الأوفر حظاً على الورق للعبور من هذا الاختبار دون عناء يُذكر، بالنظر إلى المستوى الطيب والمقنع الذي بصمنا عليه خلال اللقاءات السابقة لهذه البطولة. غير أنه على أرض الواقع، أتت الرياح بما لا تشتهي السفن، حين كشفت المباراة عن صعوبة حقيقية لم تكن في الحسبان، إذ لم نستطع الدخول في أجواء النزال والمواجهة كما كان ينبغي أن نفعل منذ الدقائق الأولى، وتم سحبنا رغماً عنا نحو أسلوب لعب الكنديين وإيقاعهم الذي فرضوه علينا لفترة من الزمن. وأمام هذا التعثر التكتيكي المؤقت، برز دور القيادة الفنية بشكل لافت، حين جسّد ربّان “أسود الأطلس” – قولاً قبل أن يترجمها فعلاً على أرض الملعب – تلك المقولة الخالدة في عالم كرة القدم: “الشوط الأول ملك للاعبين، والشوط الثاني ملك للمدربين”، لتنقلب موازين اللقاء تماماً بفضل التعديلات الذكية والقراءة الصائبة للمباراة.

في مثل هذه المقابلات الإقصائية الحاسمة، يصعب تعويض أي هفوة أو تراجع مهما كان بسيطاً، ذلك أن الخطأ الواحد قد يكون كفيلاً بإنهاء المشوار بأكمله، لذا وجب التدبير الجيد والمحكم لمختلف فترات اللقاء، وخصوصاً منها لحظات الضعف والارتباك التي قد تنتاب أي فريق مهما بلغت قوته. وهنا بالتحديد يكمن بيت القصيد، حيث نلمس بوضوح الفرق الجوهري بين منتخبات الصف الأول ذات الخبرة والنضج، وبقية المنتخبات التي قد تفتقر إلى هذا العنصر الحاسم في مثل هذه المحطات المصيرية. ولعل المتابع المدقق قد شاهد بأم عينه كيف استطاعت العناصر الوطنية، بحنكة وهدوء أعصاب لافتين، أن تُفلت من كمين اللحظات العصيبة وتخرج منه بسلام، دون أن تفقد تركيزها أو تماسكها الجماعي. الأمر الذي يوضح بجلاء ذلك النضج الكبير الذي وصلنا إليه كمنتخب، والذي لم يتحقق بين عشية وضحاها، بل جاء ثمرة عمل دؤوب وتراكم من التجارب الدولية المتلاحقة.

بالعودة إلى طريقة تدبير أطوار اللقاء، ففي الجولة الأولى لم نستطع فرض إيقاعنا المعتاد، ولم نتمكن من الاستحواذ على الكرة بالشكل الذي اعتدنا عليه في المباريات السابقة، ولم نبنِ اللعب بالشكل المعهود والمألوف لدينا، وذلك بفعل القراءة الاستباقية الذكية من المدرب الأمريكي المجرَّب جيسي مارش، الذي أقدم على إجراء أربعة تغييرات جوهرية في التشكيلة الأساسية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على النهج التكتيكي نفسه القائم على نظام 4-4-2، واستغلال عنصري القوة البدنية واللياقة العالية من أجل فرض ضغط عالٍ ومكثف بكتلة متقدمة نسبياً؛ حيث عمد الناخب الكندي إلى إغلاق منافذ إخراج الكرة من الخلف، أولاً عبر الضغط المباشر والمستمر على المدافعين، وثانياً من خلال مراقبة لصيقة ومحكمة لكل من بوعدي والعيناوي، وهو ما جعلنا نضطر للتحول نحو الأطراف واللعب عبر الأجنحة، وهذا بالضبط ما كان يبحث عنه الكنديون ويخططون له مسبقاً، خصوصاً وأنهم كانوا قد أغلقوا الأروقة بإحكام تام، مما مكّنهم من استعادة الكرة بسرعة لافتة وتشكيل خطورة حقيقية ومتكررة على مرمانا في أكثر من مناسبة.

لكن، لكي يكون المنتخب كبيراً بحق، لا بد من التوفر على حارس مرمى من طينة ياسين بونو، الذي كان حاسماً وحاضر الذهن في أدق اللحظات وأخطرها، مقدماً تدخلات أنقذت الفريق من مآزق محققة. كما حاول الخصم كذلك فرض نسق عالٍ ومكثف على مجريات اللعب، ودفع المواجهة عمداً نحو أجواء الصراع البدني القوي والاحتكاك المباشر. وزاد من حدة الصعوبات التغيير المبكر الذي اضطررنا إليه بإخراج إسماعيل الصيباري، إضافة إلى دخول بعض اللاعبين في دوامة من التوتر والارتباك الذهني، وكثرة الإنذارات التي تلقتها بعض العناصر. كل هذه العوامل مجتمعة منحتنا شوطاً أول باهتاً ومتعثراً، بعث في نفوس المتابعين والمشجعين على حد سواء الكثير من الريب والشك والقلق حول مآلات هذه المباراة المصيرية.

في الشوط الثاني، كان الترقب سيد الموقف بامتياز، في انتظار رد الفعل المغربي المرتقب، وأيضاً في انتظار القراءة الشخصية والذكية للناخب الوطني محمد وهبي، المعروف بحنكته الكبيرة في الإدارة الجيدة والمتوازنة لفترات الضعف والقوة على حد سواء داخل المباراة الواحدة، ومرونته التكتيكية اللافتة، وتفاعله الجيد والسريع مع مختلف تقلبات المواجهات ومجرياتها المتغيرة. وفي المقابل، كان هناك ترقب آخر لا يقل أهمية، حول ما إذا كان بإمكان الكنديين تقديم نفس السخاء البدني والاندفاع الذي ميّز أداءهم في الشوط الأول.

غير أن البداية الجيدة والهدف المبكر الذي جاء من جملة فنية رائعة، أظهرا مدى اهتمام الناخب الوطني بأدق التفاصيل التكتيكية، حيث تم استغلال عدم تغطية الخصم لمنطقة مربع العمليات بشكل جيد، وعبر قذفة مركزة ومحسوبة بدقة من اللاعب أوناحي، دفعت مجريات المواجهة نحو منعطف مختلف تماماً عما كان عليه الحال في الشوط الأول. بعد ذلك، تم تصحيح وإصلاح أخطاء البداية، وأُسندت مهمة إخراج الكرة من الخلف بشكل أساسي إلى أوناحي، الذي أظهر سلاسة عالية في بناء الهجمات واستغلالاً ذكياً للمساحات المتاحة. كما تم الزج بكل من سفيان أمرابط تحسباً لأي التحامات بدنية قد يفرضها الخصم، وشمس الدين الطالبي بهدف استغلال الفراغات الخلفية والقيام بالهجمات المرتدة الخاطفة خلف دفاعات المنتخب الكندي، الذي خفتت حدة اندفاعه تدريجياً ورضخ في النهاية للأمر الواقع، رغم بعض المحاولات المحتشمة والمتفرقة لتعديل النتيجة.

واستمر المنتخب الوطني في فرض سيطرته، حتى أتى هدف أوناحي الثاني، المُسجَّل من هجمة مرتدة سريعة ومنظمة، ليجعل الأمور شبه محسومة لصالح “أسود الأطلس”. وقبل نهاية اللقاء، جاء الهدف الثالث ليقضي نهائياً على كل آمال الخصم في العودة، من توقيع اللاعب رحيمي، بعد تمريرة حاسمة من طرف “الماستر أسيست” إبراهيم دياز.

تجدر الإشارة إلى التحسن الملحوظ في كفاءة التسجيل واستثمار الفرص، وهو ما كان يشكّل نقطة ضعف في المباريات السابقة، لكنه تطور بشكل لافت في هذه المباراة. كما برز الوعي التكتيكي العالي للاعبين وقدرتهم على تنفيذ التعليمات بدقة، سواء في المهام الهجومية أو الدفاعية، أو في التحول السريع بين الحالتين وفقاً لمجريات اللقاء. يعكس هذا الأداء مستوى رفيعاً من الفهم الجماعي والانضباط، ويؤكد أن نجاح الفريق لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة تحضير جيد ورؤية واضحة للطاقم الفني.

أمام فرنسا، نعوّل كثيراً على عادة اللاعب المغربي الحميدة في البروز والتألق أمام المنتخبات الكبيرة، رغم صعوبة المهمة البالغة بالنظر إلى الجودة الكبيرة والهائلة التي يتوفر عليها منتخب “الديكة”، وهو المرشح الأول والأوفر حظاً للفوز بلقب هذه النسخة، عطفاً على ما قدّمه من مستوى رفيع خلال هذه البطولة، وما يتوفر عليه من ترسانة لاعبين مميزين، خصوصاً في الخط الأمامي الذي يزخر بأسماء قادرة على حسم المباريات في أي لحظة.

رغم كل الصعوبات المرتقبة، نثق تماماً في كفاءة “البروفيسور” محمد وهبي وطاقمه الفني في الإعداد الجيد، وتجهيز اللاعبين ذهنياً وتكتيكياً للثأر من هزيمة نصف نهائي النسخة الماضية؛ تلك المواجهة التي لا تزال عالقة في الأذهان. لكن هذا الثأر المنشود لن يتحقق إلا بتجنب تكرار الأخطاء السابقة، والتركيز على التفاصيل الدقيقة التي ستصنع الفارق الحقيقي في مباراة بهذا الحجم، مع ضرورة الاهتمام الكبير بإدارة المساحات داخل الملعب، وعدم المغامرة غير المحسوبة بالاستحواذ المفرط على الكرة وتركها للخصم،و السعي بالمقابل إلى دفعهم للعب بعكس هويتهم التكتيكية الأساسية، تلك المبنية أساساً على التحولات السريعة من الدفاع إلى الهجوم، واستغلال حالات عدم التوازن التي تعتري الخصوم لحظة فقدانهم للكرة.

وختاماً، فإن هذا الفوز المستحق على المنتخب الكندي لم يكن مجرد محطة عابرة في مسار “أسود الأطلس” داخل هذا المونديال، بل كان تأكيداً جديداً على أن هذا الجيل من اللاعبين يمتلك من النضج والصلابة النفسية ما يؤهله لمواجهة أعتى التحديات، حتى وإن مرّ من بوابة الصعوبة والارتباك في بعض الأحيان. فالقدرة على تجاوز شوط أول باهت، وتصحيح المسار بحنكة في الشوط الثاني، هي بالضبط الصفة التي تميّز المنتخبات الكبيرة عن غيرها.

واليوم، وقد بات المنتخب الوطني على موعد مع اختبار من طراز آخر أمام المنتخب الفرنسي العتيد، فإن الآمال معقودة على أن يكون هذا اللقاء فرصة سانحة لتتويج مسيرة حافلة بالإصرار والتحدي، وربما لكتابة فصل جديد من فصول التاريخ الذي بدأ “أسود الأطلس” في نسجه منذ السطور الأولى لهذه البطولة الاستثنائية. وفي انتظار صافرة البداية، يبقى اليقين حاضراً في نفوس الجماهير المغربية بأن الفريق سيدخل هذه المواجهة بنفس العزيمة والروح القتالية التي أوصلته إلى هذه المرحلة المتقدمة، غير عابئ بفارق الأسماء أو الألقاب، بل مؤمناً بأن الملعب وحده من يكتب الحقيقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى