
انتزع المنتخب الوطني المغربي ورقة العبور نحو الدور الثاني من منافسات كأس العالم 2026، وذلك للمرة الثالثة في تاريخه والثانية على التوالي، محتلاً المرتبة الثانية في المجموعة الثالثة برصيد 7 نقاط، وراء المنتخب البرازيلي المتصدر بنفس العدد مع امتياز فارق الأهداف. وبهذا التأهل التاريخي، تضرب العناصر الوطنية موعداً مع المنتخب الهولندي متصدر المجموعة السادسة، في مواجهة تُقام يوم الثلاثاء 30 يونيو 2026 على ملعب مونتيري في المكسيك. وللمواجهة نكهة خاصة، إذ سبق أن التقى الخصمان في مونديال أمريكا 1994 وكانت الغلبة يومها للطواحين الهوائية، فهل تختلف المعطيات هذه المرة؟
جاء تأهل المنتخب الوطني ثمرةً لمسار متصاعد ومحترم، قدّم خلاله الأسود عروضاً قوية أمام كلٍّ من البرازيل وإسكتلندا، قبل أن يُنهوا مشوار دور المجموعات بتفوق واضح على نظيرهم الهايتي. ورغم أن الصورة العامة كانت إيجابية، فإن المباراة الأخيرة تركت بعض علامات الاستفهام حول جملة من الأخطاء الفردية والجماعية التي ينبغي معالجتها قبل خوض الأدوار الإقصائية.
دخل المدرب محمد وهبي مباراة هايتي بتشكيلة عرفت أربعة تغييرات، بهدف تفادي التوقيفات وإراحة بعض العناصر الأساسية، مع منح البدلاء فرصة التأقلم مع أجواء المنافسة العالمية، على اعتبار أن الخصم الهايتي لم يكن يستدعي استنفار كامل الأساسيين. وقد أفرز هذا الخيار بعض التراخي واستصغار الخصم في لحظات من اللقاء، وهو ما دفع المنتخب ثمنه على أرض الملعب.
على المستوى التكتيكي، اعتمد الناخب الوطني نفس طريقة اللعب المعتادة مع بعض الاختلاف في التنشيط الهجومي، حيث وظّف هذه المرة رأس حربة تقليدياً ولاعب ارتكاز بخصائص دفاعية بحتة. وقد سيطر المغرب كالعادة على مجريات اللعب وأجاد البناء من الخلف وتحضير الهجمات، غير أن الضغط المضاد لم يكن في المستوى المطلوب، بسبب ظروف المباراة التي شجّعت على اللعب بجهد أقل.
دخل المغرب المباراة كما يجب في بدايتها، لكنه عجز عن ترجمة فرصه إلى أهداف، إلى أن فاجأته هايتي بهدف جاء إثر خطأ دفاعي مشترك وعدم التغطية بالشكل المناسب. ورغم أن المنتخب استطاع إدراك التعادل بعد سيل من الفرص الضائعة، سرعان ما تعرّض لهدف ثانٍ بعد خسارة إبراهيم دياز للكرة في لحظة حرجة. جاء الرد سريعاً عبر إسماعيل صيباري إثر جملة تكتيكية جميلة، وهو ما مكّن المنتخب من إنهاء الشوط الأول بالتعادل بدلاً من الخسارة، التي كانت ستُعقّد الأمور كثيراً.
استمر الارتباك النسبي في الشوط الثاني، مع كثرة التمريرات الخاطئة والاقتصاد في المجهود من طرف معظم اللاعبين. غير أن المنتخب حافظ على أسلوبه في الضغط العالي وخندقة الخصم في نصف ملعبه، مستغلاً أنصاف المساحات والأروقة لخلق فرص عديدة ظلت بلا استثمار، إلى أن جاءت التغييرات، وهذه المرة كانت مؤثرة وذات فائدة حقيقية؛ حيث استغل سفيان رحيمي ضربة زاوية ليمنح المغرب التقدم، قبل أن يُهدي زميله ياسين جسيم هدفاً رابعاً بعد مجهود فردي رائع.
بالنسبة لتقييم أداء اللاعبين فياسين بونو قدم مستوى جيداً في مجمله، باستثناء الهدف الأول الذي لم يستطع فيه قراءة مسار الكرة جيداً. وبرز بشكل لافت في تدخله الرائع حين تصدّى لضربة خطأ خطرة في اللحظات الأخيرة من المباراة.
بالنسبة للأظهرة فأشرف حكيمي كان الأفضل على مستوى الدفاع، وتحصّل على جائزة رجل المباراة بفضل إسهامه الكبير في صناعة الفرص وتقديم الحلول لزملائه باستمرار. في المقابل، جاء أداء أنس صلاح الدين على النقيض تماماً؛ ارتكب أخطاءً متعددة ولم يُضف ما يُذكر، وبدا تائهاً وشكّل نقطة الضعف التي استغلها الخصم.
في وسط الدفاع كان مستوى شادي رياض متوسطاً ولم يُختبر بالشكل الكافي، أما رضوان حلحال فلم يدخل بعد في أجواء المونديال وظهر بأداء باهت يفتقر إلى الحيوية.
على مستوى خط الوسط تألق كالعادة نائل العيناوي بسخاء بدني كبير وحضور مستمر في كل مناطق الملعب. أما سفيان أمرابط فكان إيجابياً جداً سواء في لعب الكرة إلى الأمام أو في قطع الكرات وإغلاق مساحات التمرير والاسترجاع.
بالنسبة للأجنحة يؤكد بلال الخنوس مباراة بعد أخرى أن مستواه من الطراز الرفيع؛ فقد اشتغل كثيراً للمجموعة وغطّى مساحات واسعة من الملعب بديناميكية عالية، عكس إبراهيم دياز الذي شهد تراجعاً ملحوظاً، إذ أضاع كثيراً من الكرات واتخذ قرارات غير صائبة، فضلاً عن تقاعسه في مساندة الظهير والقيام بأدواره الدفاعية.
هجومياً لم يرقَ مستوى أيوب الكعبي إلى التطلعات، وظهر عدم التوفيق في محاولاته على المرمى. أما إسماعيل صيباري فقد ظل وفياً لعادته في التسجيل رغم تضييعه فرصة سهلة، مسجلاً هدفه الثالث في البطولة ومعادلاً الرقم القياسي لأكثر لاعب مغربي تسجيلاً في كأس العالم، كما أصبح أول لاعب إفريقي يهز الشباك في جميع مباريات دور المجموعات خلال نسخة واحدة من المونديال.
ثمة جوانب وجب الاشتغال عليها قبل مواجهة هولندا؛ إذ لم يكن البدلاء في مستوى الأساسيين، وضيّع بعضهم الفرصة التي مُنحت لهم لإثبات أنفسهم. يُضاف إلى ذلك الأخطاء الدفاعية في التغطية وعدم التوازن بعد فقدان الكرة، وخسارة النزالات الثنائية، وترك المجال للخصم للتسديد على المرمى. بيد أن ما يُحسب للمنتخب هو قدرته على الرجوع في النتيجة مرتين، وعدم الاستسلام، والقوة الذهنية للاعبين، وهي مؤشرات إيجابية جداً لما هو قادم.
بعد حجز أسود الأطلس مقعدهم في دور سدس عشر النهاية وجب إعداد العدة لموعدٍ ناريٍّ مع منتخب هولندا الذي حسم صدارة مجموعته إثر فوزه على تونس بنتيجة 3-1. الطواحين الهوائية منتخب يلعب بذكاء كبير ومرونة تكتيكية عالية؛ يستطيع الضغط عالياً والاستحواذ على الكرة، كما يستطيع في المقابل الانتظار والاعتماد على المرتدات السريعة بعد قطع الكرة. يتوفر على مجموعة متكاملة في جميع الخطوط، ويتميز بجودة أساسييه واحتياطييه على حدٍّ سواء، لا سيما وسط الميدان بقيادة دي يونغ وخرافنبيرخ و التيجاني ريندرز، وقلب الدفاع بقيادة العميد فيرجيل فان دايك، والمهاجم الفعّال خاكبو. يُضاف إلى ذلك إتقانه استغلال الكرات الثابتة والتعامل مع الكرات الهوائية والقوة في الاحتكاكات البدنية، بفضل انتماء أكثر من نصف قائمته لأندية الدوري الإنجليزي الممتاز. غير أنه لا خوف على العناصر الوطنية، فبعودة الأساسيين سيتوفر لدينا من المهارة والقوة ما يكفي لانتزاع التأهل نحو الدور الموالي.
في تقييم لما قدم المدرب محمد وهبي حتى الآن فقد دبر بذكاء واضح المرحلة الأولى من المونديال، ولم تظهر عليه أبداً دهشة البدايات أو ارتباكها وساير الدور الأول بهدوء واتزان، ولعب كل مباراة بخصائص معينة تتناسب مع طبيعة الخصم والمرحلة، وجعل من مواجهة هايتي فرصةً لتجريب البعض وإراحة آخرين، تحسّباً للطريق الشاق نحو الكأس الذهبية. وهذا وحده يكشف عن نظرة بعيدة المدى لمدرب يفكر في البطولة كاملة لا في مباراة واحدة.
المغرب إذن عبر إلى الدور الثاني، والرسالة واضحة لكل من يريد أن يقرأها: هذا المنتخب لم يقدم سقفه الكامل بعد، وما رأيناه حتى الآن ليس سوى مقدمة لما هو آتٍ. فهل تتحوّل أرض مونتيري إلى ميدان انتقام تاريخي من الطواحين، ويُعيد “أسود الأطلس” كتابة التاريخ مجدداً؟ الجواب في ليلة الثلاثين من يونيو على مسرح بي بي في إيه.



